القرطبي

313

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لا ينتقل عن المثل الخلقي إذا حكما به إلى الطعام ، لأنه أمر قد لزم ، قال ابن شعبان . وقال ابن القاسم : إن أمرهما أن يحكما بالجزاء من المثل ففعلا ، فأراد أن ينتقل إلى الطعام جاز . وقال ابن وهب رحمه الله في ( العتبية ) : من السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصيد ، كما خيره الله في أن يخرج " هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما " فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيرا لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي ، وما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام ثم خير في أن يطعمه ، أو يصوم مكان كل مد يوما ، وكذلك قال مالك في ( المدونة ) . الموفية عشرين - ويستأنف الحكم في كل ما مضت فيه حكومة أو لم تمض ، ولو اجتزأ بحكومة الصحابة رضي الله عنهم فيما حكموا به من جزاء الصيد كان حسنا . وقد روي عن مالك أنه ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظبي والنعامة لا بد فيه من الحكومة ، ويجتزأ في هذه الأربعة بحكومة من مضى من السلف رضي الله عنهم . الحادية والعشرون - لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين ، وبه قال أبو حنيفة . وقال الشافعي في أحد قوليه : يكون الجاني أحد الحكمين ، وهذا تسامح منه ، فإن ظاهر الآية يقتضي جانيا وحكمين فحذف بعض العدد إسقاط للظاهر ، وإفساد للمعنى ، لان حكم المرء لنفسه لا يجوز ، ولو كان ذلك جائزا لاستغنى بنفسه عن غيره ، لأنه حكم بينه وبين الله تعالى فزيادة ثان إليه دليل على استئناف الحكم برجلين . الثانية والعشرون - إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فقال مالك وأبو حنيفة : على كل واحد جزاء كامل . وقال الشافعي : عليهم كلهم كفارة واحدة لقضاء عمر وعبد الرحمن . وروى الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا إذ مرت بهم ضبع فحذفوها ( 1 ) بعصيهم فأصابوها ، فوقع في أنفسهم ، فأتوا ابن عمر فذكروا له فقال : عليكم كلكم كبش ، قالوا : أو على كل واحد منا كبش ، قال : إنكم لمعزز بكم ( 2 ) ، عليكم كلكم كبش . قال اللغويون : لمعزز بكم أي لمشدد

--> ( 1 ) الحذف : الرمي . ( 2 ) كان الموالي قد سألوا قبل ابن عمر - رضي الله عنه - صحابها فأمر لكل واحد منهم بكفارة ، ثم سألوا ابن عمر ، وأخبروه بفتيا الذي أفناهم ، فقال : إنكم لمعزز بكم . . . الخ .